عبد القادر الجيلاني

49

فتوح الغيب

--> - علميّ باطن ولا ظاهر ، لا يقول به أحد من أئمة العلم والزهد . فأئمة الفقهاء والصوفية لا يقولون هذا . ولكن من جوّز لمجتهد أو مقلّد الترجيح بمجرد اختياره وإرادته ، فهو نظير من شرّع [ في نسخة : سوّغ ] للسالك الترجيح بمجرد إرادته وذوقه . لكن قد يقال : القلب المعمور بالتقوى ، إذا رجح بإرادته ، فهو ترجيح شرعيّ . وعلى هذا التقدير ليس من هذا ، فمن غلب على قلبه إرادة ما يحبه اللّه ، وبغض ما يكرهه اللّه ، إذا لم يدر في الأمر المعيّن : هل هو محبوب للّه ، أو مكروه ؟ ورأى قلبه يحبه أو يكرهه ، كان هذا ترجيحا عنده . كما لو أخبره من صدقه أغلب من كذبه ، فإن الترجيح بخبر [ في نسخة : يخبر ] هذا عند انسداد وجوه الترجيح ترجيح بدليل شرعيّ . ففي الجملة : متى حصل ما يظنّ معه أنّ أحد الأمرين أحبّ إلى اللّه ورسوله ، كان هذا ترجيحا بدليل شرعيّ ، والذين أنكروا كون الإلهام طريقا على الإطلاق أخطأوا ، كما أخطأ الذين جعلوه طريقا شرعيا على الإطلاق . ولكن إذا اجتهد السالك في الأدّلة الشّرعيّة الظاهرة فلم ير فيها ترجيحا ، وألهم حينئذ رجحان أحد الفعلين مع حسن قصده وعمارته بالتقوى ، فإلهام مثل هذا دليل في حقّه ، قد يكون أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة ، والأحاديث الضعيفة ، والظواهر الضعيفة ، والاستصحابات الضعيفة التي يحتجّ بها كثير من الخائضين في المذهب والخلاف وأصول الفقه . وفي الترمذي [ 5133 ] عن أبي سعيد ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اتّقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه » ، ثم قرأ قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) [ الحجر : 75 ] . وقال عمر بن الخطاب : اقتربوا من أفواه المطيعين ، واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنه تتجلّى لهم أمور صادقة . وقد ثبت في الصحيح قول اللّه تعالى : « ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي » . وأيضا فاللّه سبحانه وتعالى فطر عباده على الحنيفية : وهو حبّ المعروف ، وبغض المنكر . فإذا لم تستحلّ الفطرة ، فالقلوب مفطورة على الحقّ ، فإذا كانت الفطرة مقوّمة بحقيقة الإيمان ، منوّرة بنور القرآن ، وخفي عليها دلالة الأدلّة السّمعيّة الظاهرة ، ورأى قلبه يرجّح أحد الأمرين ، كان هذا من أقوى الإمارات عند مثله . وذلك أنّ اللّه علّم القرآن والإيمان . قال اللّه تعالى : * وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) [ الشورى : 51 ] ، ثم قال : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) [ الشورى : 52 ] . وقال جندب بن عبد اللّه وعبد اللّه بن عمر : تعلّمنا الإيمان ، ثم تعلّمنا القرآن ، فازددنا إيمانا . وفي الصحيحين [ خ ( 6132 ) وم ( 797 ) ] عن حذيفة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه أنزل الأمانة في جذر قلوب